تبلیغات
مؤسسة المعلم - المواطنة فى إطار التعددیة الثقافیة
 
مؤسسة المعلم
معا نتحدّی المستحیل
درباره وبلاگ



مدیر وبلاگ : ناصر جابری
نویسندگان
نظرسنجی
فی أی قسم أو جزء من مسابقة فرسان الشعر 3 ترى إشكالیة أو نقدا واردا ؟













پنجشنبه 24 شهریور 1390 :: نویسنده : ناصر جابری

د . صابر احمد عبدالباقی

یُعد مفهوم "التعددیة الثقافیة" من المفاهیم المهمة فی المجتمع الحدیث، الذی بات یضم جماعات متنوعة ثقافیا، الأمر الذی یطرح إشكالیات حول "الوحدة" فی إطار "التنوع"، والإنسجام فی سیاق "احترام الاختلاف". ونظرا لأن مفهوم المواطنة یقدم لنا إطارا قانونیا وثقافیا واجتماعیا للتعایش الإیجابی بین مواطنین متنوعین ثقافیا، فإن ذلك یطرح ضرورة لدراسة العلاقة بین المواطنة والتعددیة الثقافیة، تدعیما للتنوع الثقافی فی بناء المجتمع من ناحیة، ودعما لعلاقة الانتماء المشترك فی الوطن الواحد من ناحیة أخری.

یُعد مفهوم "التعددیة الثقافیة" من المفاهیم المهمة فی المجتمع الحدیث، الذی بات یضم جماعات متنوعة ثقافیا، الأمر الذی یطرح إشكالیات حول "الوحدة" فی إطار "التنوع"، والإنسجام فی سیاق "احترام الاختلاف". ونظرا لأن مفهوم المواطنة یقدم لنا إطارا قانونیا وثقافیا واجتماعیا للتعایش الإیجابی بین مواطنین متنوعین ثقافیا، فإن ذلك یطرح ضرورة لدراسة العلاقة بین المواطنة والتعددیة الثقافیة، تدعیما للتنوع الثقافی فی بناء المجتمع من ناحیة، ودعما لعلاقة الانتماء المشترك فی الوطن الواحد من ناحیة أخری.

وقد نمت فكرة التعددیة الثقافیة فی أمیركا مثلا وأصبحت فكرة سیاسیة ناشطة ضد التمییز العنصری فی الستینات من القرن الماضی حیث تصاعدت المطالبة بحق الاختلاف عن الآخر وحق المساواة فی الحقوق المدنیة بین جمیع الفئات المهمشة اقتصادیاً واجتماعیاً وسیاسیاً بهدف تكسیر الحد العنصری الفاصل بین البیض والسود.  

إن أهم میزة فی البشریة هی اختلاف الثقافات البشریة وتنوّعها؛ فكلّ ثقافة تختلف عن الأخرى بسبب مسارها التاریخی الخاصّ ومیّزاتها التی تجعل منها فریدة من نوعها. والحدیث عن التعددیة الثقافیة لا یتعلّق بالتنوع أو وجود نظرة إیجابیة تجاه الإختلافات بین الثقافات والتجمعات. خلافا لذلك فهی تدل على ترابط عمیق للقضایا المتعلقة بالتنوع الثقافی والدینی فی المجتمع، وعلى الإدارة الاجتماعیة للتحدیات والفرص التی یتیحها هذا التنوع.

وقد اختلفت تعریفات التعددیة الثقافیة، إذ تستخدم الأنثروبولوجیا مفهوم التعددیة الثقافیة للدلالة على جماعات تختلف أنماط الحیاة لدى كل منها اختلافاً شاسعاً عن غیرها. أما العلوم السیاسیة فتستعمل هذا التعبیر للدلالة على جماعات ذات فروقات وممیزات ملحوظة تعیش فی مناطق جغرافیة محددة وتشكل هذه الممیزات الملحوظة قاعدة لقوتها السیاسیة. وفی تعریف علم الاجتماع فهی رغبة بعض الجماعات فی المحافظة على اوجه الشبه فی ما بین أفرادها لاعتقادهم ان الصفات والقیم والمعتقدات المشتركة تشكل مصدر شعور الافراد بالفخر والثقة بالنفس والصحة العقلیة والتماسك[1].

ویرى البرفیسور الكندی ویل كیملیكا، أستاذ الفلسفة فی جامعة كوین الكندیة أن المجتمع الدولی والمنظمات الدولیة الیوم تحاول أن تماهی بین أفضل الممارسات والأبعاد القانونیة فی التعامل مع مسألة الأقلیات، وأشار إلى الانتشار الدولی لخطاب التعددیة، وان هناك لقاءات دولیة لصانعی السیاسة تناقش الأفكار المتعلقة بالتسامح والتعددیة. ویرى البروفیسور أن ثمة معاییر دولیة یجب أن تتقید بها جمیع الدول، وهی معاییر طورتها الأمم المتحدة والمنظمات الدولیة، ولم یغفل أن لهذه المعاییر آثاراً بعضها إیجابیة وبعضها ینضوی على مخاطر!

ویرى البروفیسور الكندی أن فی المجتمعات الغربیة ثلاثة أنواع من الأقلیات: أولا الشعوب الأصلیة مثل: الماوری، والهنود الحمر. وثانیا الأقلیات القومیة، وتعتبر نفسها أمماً مستقلة، مثل: الكیبك فی كندا، والاسكتلندیین والغال فی بریطانیا، والباسك فی إسبانیا، والبورتوریكیون فی الولایات المتحدة. وأخیرا مجموعات المهاجرین.

ویرى كیملیكا أن هجرة العمال لم تولد عنفا متواصلاً ولیس لها تأثیرات عنفیة متواترة، ولم تشكل خطراً على السلام الدولی، وهی لا تشكل أولویة، بل متروكة لقوانین الدول المضیفة لمعالجتها وفق مصالحها التی تتوافق مع شرعة حقوق الإنسان. ویؤكد البرفیسور الكندی أیضاًُ أن جمیع الدول الغربیة التی لدیها شعوب أصلیة وأقلیات قومیة، باتت الیوم دولاً متعددة القومیات، تعترف بوجود شعوب وأمم داخل الدولة، ویتم هذا الاعتراف بسلسلة من حقوق الأقلیات التی تشمل الحكم الذاتی واستخدام لغة الأقلیة كلغة رسمیة. وأن هذه التجربة الغربیة ناجحة وقابلة للتعمیم. ویدعو البرفیسور كیملیكا الدول الأخرى أن تحذو حذو الغرب فی ما یخص هذه المسائل، مع حقها فی إیجاد معاییر محلیة للتعامل مع أقلیاتها، ویرى أن الأمم المتحدة فشلت حتى الآن فی إقناع المنظمات المحلیة فی قبول هذا التحدی. إذ یسود مناخ یصعب فیه مناقشة موضوع حقوق الأقلیات، لا سیما فی البلدان المستعمرة سابقاً، لأن هذه الدول واجهتها قضیة الأقلیات قبل ترسیخ الدولة وبناء المجتمع والاقتصاد، بینما الدول الغربیة عاشت نوعاً من التعاقب أو التوالی فی الدیمقراطیة والازدهار الاقتصادی.

ولكن یرى نقاد هذا الخطاب اللیبرالی الغربی، أن هذا الاهتمام بالقومیات فی الدول الفقیرة والتی تعانی من مشاكل عدیدة، هو نوع من الإرث الاستعماری الذی یرید أن یفرض قیما وثقافة الهیمنة على باقی العالم، وأن تاریخ الغرب هو تاریخ هیمنة الأغلبیة، وأن الحكم الذاتی عنده هو نوع من حمایة الأقلیات الهشة. ورغم الاعتراضات، فإن الغرب والمنظمات الدولیة، كالأمم المتحدة والبنك الدولی ومنظمة العمل العالمیة، لم تعد جمیعها توافق على أن مسألة تعامل الدول مع أقلیاتها هی قضیة محلیة، ولیس فیها ما یهم المجتمع الدولی. حاولت هذه المنظمات وما تزال تحاول قوننة معاییر الحد الأدنى لسلوك الدول، فیما یتعلق بأقلیاتها ولإرساء آلیة عمل لمراقبة التزام الحكومات بتلك المعاییر، حتى إن البنك الدولی قد أعلن أن حقوق الشعوب الأصلیة هی شرط مسبق لأیة دولة تسعى للحصول على مساعدات وقروض.

ویرى البرفیسور كیملیكا أن الخطاب الكونی الجدید قائم على التعددیة الثقافیة، وأن تدویل العلاقات مع الآلیات فی الدول قد وصل حداً ما عاد بالإمكان الرجوع عنه، وهو الیوم موضع جدل على مستوى العالم، ویلاقی تأییداً منقطع النظیر عند بعض الأطراف المحلیة الفاعلة، ویواجه بالرفض الكامل من قبل بعض الأطراف الأخرى، وهو موضع مقاومة فعلیة من أطراف ثالثة. ویعترف البرفیسور بأن النقاد غالباً ما یجادلون بأن خطاب التعددیة الثقافیة والمقاییس الدولیة، إنما تعكس بشكل ممیز الظروف أو الهموم الغربیة، التی لیس لها علاقة أو حاجة بهموم الأمم الأخرى[2].

وقد حذر تریفور فیلیبس رئیس لجنة المساواة العرقیة فی بریطانیا من ازدیاد الانفصال بین الفئات العرقیة المختلفة فی بریطانیا. وقال فیلیبس ان بعض المناطق فی بریطانیا آخذة فی التحول الى مناطق منعزلة تشبه ال"غیتو". وحذر رئیس اللجنة من أن فشل الجامعات والمدارس فی ادماج الأقلیات العرقیة قد یعنی عزلة الأقلیات عن مسایرة التطور فی المجتمع البریطانی. كما أشار تریفور ان هذا الوضع قد یساعد على زیادة حدة التطرف الدینی بین بعض الأقلیات. ودعا المدارس التی تضم تلامیذ من أبناء السكان البیض لقبول أبناء الأجناس العرقیة المختلفة للدرسة فیها. وأضاف أن الانعزالیة التی تتجه الیها بعض المجتمعات والجالیات فی بریطانیا قد تؤدی الى انقسام مماثل لما شاهده العالم فی نیو أورلیانز بعد حدوث اعصار كاترینا. وهذه لیست المرة الأولى التی یدق فیها ناقوس الخطر فی بریطانیا. فمن قبل أشار تقریر أجری فی أعقاب أحداث الشغب التی وقعت فی البلاد فی عام 2001 الى هذه القضیة. وحذر التقریر من أن الجالیات المختلفة فی بریطانیا تعیش حیاة متوازیة لاتتمیز بالاختلاط الحقیقی، وطالب بادخال تعدیلات كبیرة على سیاسات الدولة فی هذا المجال. ویرى منتقدو التعددیة الثقافیة أن هذه السیاسة تصنف الناس بحسب لونهم وأصولهم التی ینحدرون منها مما یكرس معاملتهم بأسلوب مختلف. ویقول المنتقدون ان صناع القرار فی بریطانیا یقررون أسلوب معاملة المواطنین بحسب أصولهم العرقیة أولا ولیس كمواطنین متساویین. وبالمقابل فان مؤیدی التعددیة الثقافیة یرون أنها تسهم فی تقویة أواصر المجتمع، وتنشر روح التسامح بعرض صور وأنماط الحیاة المختلفة لكل المواطنین مهما كانت أصولهم[3]؛ فالتنوع الثقافی الخلاق یثری الحیاة الانسانیة ویمد المجتمعات المختلفة بالحیویة ومن هنا اصبح التركیز علی قبول شرعیة التعددیة الثقافیة داخل كل مجتمع‏,‏ بما یعنی حقوق كل جماعة ثقافیة فی التعبیر الثقافی عن نفسها‏,‏ فی حدود حق المواطنةالمكفول للجمیع‏.‏ غیر أن ذلك الوضع یثیر اشكالیة مهمة‏,‏ وهی ان تعدد الجماعات فی المجتمع قد یفرض مطالب متناقضة علی الحیاة السیاسیة خصوصا فی المجتمعات المتعددة الثقافات‏,‏ فكیف یمكن لهذه المجتمعات ان تعمل؟ والجواب أن ای مجتمع لكی یعمل بكفاءة لابد ان یكون مستندا الی قاعدة من القیم المشتركة التی تتقید بها كل الجماعات المؤسسة له‏,‏ وهناك آراء مختلفة بشأن القیم المشتركة وأولویاتها وروح التضامن التی ینبغی ان تسود[4]‏.‏ 

ما علاقة التنوع والتعددیة بالمواطنة؟

لا توجد مواطنة حقیقیة من دون تعددیة حقیقیة فی ظل دولة الحق والقانون. وسرّ ازدهار الدیمقراطیة یكمن فی سر ازدهار المواطنة.

ولكن فی حال تواجدت التعددیة فی وطن ما وعلى سبیل المثال تعددیة ثقافیة أو تعددیة دینیة أو تعددیة مذهبیة وسواها ولم تستطع الدولة تغلیب الانتماء الوطنی فی وجود أفرادها الاجتماعی والثقافی بل ساهمت فی تعزیز التناقض فیما بینهم. فستُطرح مشكلة المواطنة والانتماء لأن أفراد هذه الدولة سیكونون منساقین حكماً أو عفویاً أو اضطراریاً الى الالتجاء الى روابط العشیرة والطائفة والتبعیة وما الیها للدفاع والحصول على حقوقهم[5].

مفهوم المواطنة:

  المواطنة كلمة تتسع للعدید من المفاهیم و التعریفات  فالمواطنة فی اللغة  مأخوذة من الوطن وهو محل الإقامة والحمایة، و من حیث مفهومها السیاسیة فالمواطنة هی (صفة المواطن الذی یتمتع بالحقوق ویلتزم بالواجبات التی یفرضها علیه انتماؤه إلى الوطن)، وفی قاموس علم الاجتماع تم تعریف المواطنة: بأنها مكانة أو علاقة اجتماعیة تقوم بین فرد طبیعی ومجتمع سیاسی ( دولة ) ومن خلال هذه العلاقة یقدم الطرف الأول (المواطن) الولاء، ویتولى الطرف الثانی الحمایة، وتتحدد هذه العلاقة بین الفرد والدولة عن طریق أنظمة الحكم القائمة .

ومن منظور نفسی: فالمواطنة هی الشعور بالانتماء والولاء للوطن وللقیادة السیاسیة التی هی مصدر الإشباع للحاجات الأساسیة وحمایة الذات من الأخطار المصیریة (وبذلك فالمواطنة تشیر إلى العلاقة مع الأرض والبلد.

والمواطنة بصفتها مصطلحاً معاصراً تعریب للفظة (Citizenship) التی تعنی كما تقول دائرة المعارف البریطانیة: (علاقة بین فرد ودولة كما یحددها قانون تلك الدولة، وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق - متبادلة - فی تلك الدولة، متضمنة هذهالمواطنة مرتبة من الحریة مع ما یصاحبها من مسؤولیات)[6].

أبعاد المواطنة:

یتجلى البعد السیاسی للمواطنة فی مدى إحساس الفرد بانتماء الفرد إلى الوطن كجسم سیاسی یتمثل فی مؤسسات الدولة والأحزاب والنقابات والجمعیات، وأفكار حول الشأن العام والمجال العمومی، والأفكار التی تتبلور لدى الفرد حول هذا الجسم، ومدى سعی الفرد للتأثیر فیه عن طریق الولاء أو المعارضة للنظام، أو الخوف منه، والابتعاد عنه، أو الثورة علیه.  ویهتم البعد الثقافی بما یوفره الوطن من إحساس بالانتماء إلى جماعة تمثل فی الهویة، وتتجسد هذه الهویة المشتركة فیما یجمع الفرد مع غیره من ممارسات الحیاة الیومیة من عادات الأكل واللباس والموسیقى وطقوس الأعیاد والحفلات، كما أنها تتجسد فی الرموز المشتركة لما یمثل الهویة الوطنیة، أو الهویات الجماعیة المتعایشة فی ظل الوطن الواحد. وتتمثل فكرة الوطنیة على المستوى الاقتصادی فیما یوفره الوطن من ما تسمیه الكتابات الحقوقیة "شروط الحیاة الكریمة" والتی تعنی سوسیولوجیا  ظروف الارتقاء الاجتماعی[7].

هذه الأبعاد المتنوعة التی تجسد محتوى المواطنة، لیست مستقرة لا كأفكار ولا كممارسات، بل إنها تشهد تقلبات باستمرار نتیجة للتحولات التی یعرفها الوطن، أو الدولة الوطنیة، ویعرفها المجتمع على المستویات الدیمغرافیة والسوسیو-سیاسیة، أو بسبب التوسع الهائل لظاهرة العولمة.

وللمواطنة دلالات تتجاوز التعریفات القانونیة لها‏.‏ وذلك لأنه ازدادت أهمیتها ونحن فی خضم عملیات التغیر الكبری التی سبق أن ألمحنا إلیها‏.‏ وقد سبق للباحث المعروف نوربرتو بوبیو أن قرر نقطة البدایة فی المواطنة هی محاولة الناس العادیین فرض النظام علی الفوضی ولیس هناك نهایة فی الأفق یمكن تحدیدها فی مجال تطویر معانی المواطنة ومجالاتها‏,‏ فالبحث فیها عملیة مستمرة‏,‏ ومع ذلك یمكن القول إن ماضی مفهوم المواطنة یؤثر علی الطریقة التی ینظر بها أغلب الناس فی المجتمعات الصناعیة المتقدمة إلیها‏.‏ فالمواطن الحدیث هو فی الحقیقة نتاج قرون من عملیة بناء الأمة التی تضمنت معارك مستمرة فی مجال تحدید الانتماءات السیاسیة‏,‏ وحول القواعد التی ینبغی أن تحكم ممارسة السلطة السیاسیة داخل أطر اقلیمیة محددة‏.‏ ولعل هذا الذی دفع ببعض الباحثین إلی التأكید علی أن المواطنة عادة ماتعرف بالاستناد إلی القومیة‏.‏ فالمواطنون هم أعضاء منظمون فی مجتمعات قومیة‏,‏ یعطونها ولاءهم ویتوقعون منها حمایتهم‏.‏ وهی بالتالی هویتهم التی یتعاملون بها مع مواطنین من أقطار أخری‏.‏ ویمكن القول بالتالی إن الاحساس بالتضامن المرتبط بالمواطنة یقوم علی أساس رسم الحد الفاصل بیننا و بینهم‏,‏ أو بعبارة أخری بین الأنا والآخر غیر أن الاحساس له مردود سلبی كما یؤكد جدنجز الذی ینتقد الاحساس المفرط بالوطنیة الذی استغلته نظم شمولیة لتحقیق أهداف قومیة ضیقة‏,‏ وعلی حساب الشعوب الأخری‏.

ینظر للمواطنة فی الوقت الراهن باعتبارها أفقا مفتوحا‏,‏ ویلفت النظر فی هذا المجال حكم مهم أصدرته المحكمة الامریكیة الدستوریة العلیا عام‏1950‏ ذهبت فیه إلی أن المواطنة هی الحق فی الحصول علی الحقوق‏.!‏ وفی ضوء هذا التعریف الجامع فإن بعض الباحثین یرون أن له آثارا مهمة فی مجال مضمون المطالب‏,‏ والأسبقیات السیاسیة‏,‏ وفی مجال توسیع الفضاءات العامة للنضال فی سبیل الحقوق‏,‏ والتی یمكن أن تتغیر من حین لآخر‏.‏ولابد لهذه العملیة أن تؤدی فی النهایة إلی اتساع مجال المواطنة‏.‏ ولعل مما یساعد علی هذا فی الوقت الراهن‏,‏ الثورة الاتصالیة التی مكنت الناس عبر أقطار العالم علی تبادل الأفكار حول المواطنة والمجتمع المدنی‏.

أدت تطورات النظام العالمی إلی تأثیرات شتی علی المواطنة لعل أهمها شیوع العلاقات المتعددة الاطراف وظهور الاقلیمیة الجدیدة‏,‏ لعل من أبرزها الاتحاد الأوروبی‏,‏ والذی أدی إلی ظهور مواطنة أوروبیة بالاضافة إلی المواطنات الاقلیمیة المتعددة‏.‏ وقد واجهت المواطنة الكلاسیكیة إرهاصات الأزمة عندما دخل العالم فی التجربة السیاسیة للتكتلات الكبرى ونخص بالذكر منها الاتحاد الأوروبی. لقد تتبع الكثیر من الجدال الساخن حول معضلة المواطنة فی ظل هاته التكتلات، فقد إعتاد القوم فی أوروبا إلى إبداع ما أطلقوا علیه "المواطنة الأوروبیة". وكان على الساسة والباحثین أن یؤثثوا هذا المفهوم المركب والجدید بترسانة من القیم المستجدة من البیئة وقبول وضع اللجوء والتنمیة المشتركة والدفاع المشترك ... الخ واللائحة طویلة. والاتجاه یسیر نحو إقرار دستور للاتحاد یكون مضمونه تعاهدیا بالاتفاق على الحدود الدنیا من الاشتراطات القانونیة والسیاسیة. هكذا فإن قیام الاتحاد الأوروبی – الذی بدأ صغیرا وهو آخذ فی الاتساع- أدخل تعدیلات على رابطة المواطنة وبالتالی على الدولة والمجتمع، وتمثل هذه التعدیلات مدخلا نحو إزالة الموانع التی كانت تفرضها الحدود الاقتصادیة والاجتماعیة والجغرافیة للانتقال من عهد الأوطان إلى عهد الكیان السیاسی الكبیر الخارق للحدود، وإنشاء فضاء أوسع ینتقل فیه الأوروبیون بكامل الحریة، وما یستتبع ذلك من حمایات قنصلیة ودبلوماسیة وتوحید للعملة والرخص والوثائق التعریفیة والجوازات ...الخ .

ویمكن القول أنه بإنشاء الاتحاد الأوروبی برز شكل جدید من المواطنة بحیث لا تكون علاقتها بدولة واحدة بل تتجاوزها من الدولة الواحدة إلى مجموع الدول التی توحدها نصوص دستوریة ومواثیق تنسق السیاسات والمواقف والبرامج فی كافة المجالات . أكید أن مسألة الفكر فی أوروبا عدم اهتدائه إلى مصطلحات جدیدة موافقة لتوصیف هذه الطفرة النوعیة فی البناء السیاسی للدولة والمجتمع. والذی یزید فی حدة هذه المأساة أن العقل الأوروبی الجمعی تنبه بشكل غیر موعى به إلى بروز معالم "هویة بین وطنیة" تشاركیة وتعاهدیة كفیلة بان تقوی الوعی الأوروبی العام باعتماد متبادل بین الدول ومكونات المجتمعین السیاسی والمدنی.

وحین هلّت العولمة وترسخت اختیاراتها ومناهجها وممارساتها لم نعد أمام إرهاصات أزمة، بل دخلنا فی عمق الأزمة سواء بالنسبة (للدولة –الوطن) أو المجتمع أو المواطنة وأصبحنا وجها لوجه أمام تصور لرابطة كونیة لم یعثر بعد على كلمة أو مصطلح یعبر عنها، یطلق علیها مؤقتا "المواطنة الكونیة أو الكوكبیة" ذلك ما دفع (ألان تورین) إلى الإقرار بأن رابطة المواطنة تعانی الیوم أزمة عمیقة. إن النظام العولمی یتجه حالیا إلى الشروع فی عملیة تشبیك للدولة فی العالم بأسره یحول دون اشتغال أیة دولة خارج الشبكة الكوكبیة بضغوطها وإكراهاتها الاقتصادیة بالأساس والسیاسیة والثقافیة والاجتماعیة بالتبعیة. الماسك بمیكانیزمات اشتغال الشبكة هو رأس المال العالمی الذی هو لحد الآن تحت الوصایة المطلقة للشركات العملاقة الأمریكیة. لقد أصبحت دولة الفضاء الوطنی خرافة، لذلك نحن على حد قول (أرجون أبادوری) "فی حاجة إلى تقنیات نظریة وسیاسیة تمكننا من تدبیر الهویة والوطنیة بمصطلحات مستقلة، إنها مسألة أساسیة، وعلى السیاسات أن تشجع تعدد الهویات بدلا من تشجیع المواطنةالواحدة"[8].

ویمكن القول إن تبلور وعی كونی بصورة متزایدة قد یؤدی إلی بروز مواطنة كونیة رخوة‏.‏ ولعل هذا مادعا بعض الباحثین إلی اقتراح انشاء جمعیة عامة للشعوب علی غرار الجمعیة العامة للأمم المتحدة التی تضم فی عضویتها الدول‏.

صورجدیدة للمواطنة :

اجتهد بعض علماء الاجتماع فی حصر صور المواطنة الجدیدة التی أبرزتها التطورات العالمیة الراهنة‏,‏ ومن أبرزهم جون یوری أستاذ علم الاجتماع فی جامعة لانكستر فی بریطانیا‏.‏ وله دراسة مهمة منشورة عن العولمة والمواطنة جاء فیها أن هناك صورا جدیدة ابتدعت للمواطنة هی بإیجاز شدید‏:‏

‏1‏ـ المواطنة الایكولوجیة أو البیئیة وهی تتعلق بحقوق والتزامات مواطن الأرض‏.‏

‏2‏ـ مواطنة الأقلیة وهی تتضمن حقوق الدخول فی مجتمع ما والبقاء فی هذا المجتمع‏.‏

‏3‏ـ المواطنة الكوزموبولیتانیة وهی تعنی كیف ینمی الناس اتجاها إزاء المواطنین الآخرین والمجتمعات والثقافات الاخری عبر الكوكب‏.‏

‏4‏ـ المواطنة المتحركة‏:Mobility‏ وهی تعنی بالحقوق والمسئولیات للزوار لأماكن أخری ولثقافات أخری‏[9].

المواطنة متعددة الثقافات:

تقوم فكرة "المواطنة متعددة الثقافات" التی یطرحها البروفیسیر طارق مودود على حقیقة أن لكل مواطن فی المجتمع حقوقا فردیة باعتباره فردا ولیس باعتباره جزءا من جماعة معینة، فالمواطنة لیست هویة أحادیة منفصلة بشكل تام عن الهویات الأخرى، ومن حق كل جماعة أو طائفة داخل المجتمع أن یكون لها وجود فی المجتمع المدنی، وأن تعبر عن نفسها وعن رؤیتها للجمیع، ولذلك فإن المواطنة عبارة عن حوار متواصل بین أطراف متعددة یسمح لكل طائفة بأن تتوافق أو تعدل من رؤیة الطوائف الأخرى انطلاقا من منطق التعایش مع الآخرین.

فالمواطنة فی أبسط معانیها تنطوی على حق مزدوج فی أن یعرفك الآخرون، وأیضا حقك فی الكفاح من أجل اعتراف الآخرین بك، ولذلك فإن المواطنة تتكون من مجموعة من الحقوق والممارسات للمشاركة الجماعیة التی تعبر عن الوعی بالخصائص المشتركة بین الطوائف والأقلیات جمیعها داخل نفس الدولة، حتى إن تباینت فیما بینها فإن هناك مساحات مشتركة بین الجمیع؛ لذا فإن التغییر لا یجب أن یتم من قبل الدولة أو الحكومة أو بقوة القانون، بل یجب أن یكون لأفراد المجتمع أنفسهم دور فی الدفع تجاه التغییر بحشد قوى جماعات الضغط ومؤسسات المجتمع المدنی.

والمواطنة لیست قاصرة على الدولة وحدها، بل إنها تتوزع عبر المجتمع وتناسب النماذج الثقافیة المتعددة داخل المجتمع، وتعبر عنها على نحو یخالف نظام الطوائف أو الملل الذی أحدثته الإدارة العثمانیة إبان الخلافة العثمانیة الذی كان یسمح لكل الطوائف والأقلیات أن تعیش وفق مبادئ معتقداتها أو شرائعها، فهذه المواطنة تسعى للتجمیع لا التفریق، وبالتالی تهیئ للجمیع المساواة فی إطار هذه المواطنة. ویرى البروفیسیر طارق مودود أن الأمر لا ینظر إلیه فقط فی سیاق الحكمة الواقعیة بل أیضا أنه یعد من صمیم أخلاقیات ومبادئ المواطنة متعددة الثقافات التی یجب أن تسعى لاحتواء كل الجماعات المهمشة وتدیر معها الحوار لتصل للفهم المتبادل[10].



[1]http://www.resp-act.net/civil_rights/CR370

[2]http://www.asharqalawsat.com/details.asp?section=19&article=350673&issueno=9955

[3]http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/world_news/newsid_4271000/4271316.stm

[4]http://www.ahram.org.eg/Archive/2001/3/29/writ3.HTM

[5]http://www.resp-act.net/FAQs/Civil_Rights/CR370/FAQ3702.php

[6] سعید عبد الحافظ، المواطنة : حقـوق و واجـبات، مركز ماعت للدراسات الحقوقیة والدستوریة، القاهرة، 2007، ص 10.

[7] عبد الحی المودن، مغاربة العالم، الانتماءات والمشاركة : رهان المواطنة، المجلس الاستشاری لحقوق الانسان، الرباط 2-3 یونیو2007 ص ص 2-3.

[8]http://belkis73.jeeran.com/archive/2008/10/700511.html

[9]http://www.ahram.org.eg/Archive/2004/2/5/WRIT1.HTM

[10]http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1203759269581&pagename=Zone-Arabic-Shariah%2FSRALayout

المصدر: د. صابر أحمد عبد الباقی




نوع مطلب : مقالات و وجهات نظر عامة، 
برچسب ها :
لینک های مرتبط :
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر


صفحات جانبی
آمار وبلاگ
  • کل بازدید :
  • بازدید امروز :
  • بازدید دیروز :
  • بازدید این ماه :
  • بازدید ماه قبل :
  • تعداد نویسندگان :
  • تعداد کل پست ها :
  • آخرین بازدید :
  • آخرین بروز رسانی :